في السنوات الأخيرة، تزايد الاهتمام بمصطلح الببتيدات (بروتينات) في المجال الطبي والتغذوي، خصوصًا بعد انتشار أسماء مألوفة من البيبتيدات مثل أوزمبيك (Ozempic)، ابر الإنسولين، وكولاجين ببتيد. قد يظن البعض أن هذه المفاهيم حديثة أو مرتبطة فقط بالعلاجات الدوائية المتقدمة، إلا أن الحقيقة العلمية مختلفة تمامًا.
فالببتيدات ليست اختراعًا جديدًا، بل هي جزيئات حيوية موجودة طبيعيًا في الجسم والغذاء، وتؤدي أدوارًا أساسية في تنظيم الشهية، سكر الدم، الالتهاب، إصلاح الأنسجة، وصحة الجلد والمفاصل. الإنسولين نفسه هو ببتيد ينظّم دخول الغلوكوز إلى الخلايا، وأدوية مثل أوزمبيك تعتمد على محاكاة ببتيد طبيعي موجود بالجسم يُعرف باسم GLP-1. أما كولاجين ببتيد، فهو شكل متحلل من بروتين الكولاجين يُستخدم لدعم المفاصل والجلد والأنسجة.
هذا الاهتمام المتزايد بالببتيدات يعكس فهمًا أعمق لدورها في دعم الخلايا، وقدرتها على التأثير في وظائف الجسم بطرق مستهدفة. ومع ذلك، لا يقتصر وجود الببتيدات على الأدوية أو المكملات، بل يمكن دعم مساراتها الحيوية أيضًا من خلال التغذية، نمط الحياة، وبعض المركبات الطبيعية، وهو ما يفتح الباب أمام مقاربة أكثر شمولية للصحة والتجديد الخلوي.
ما هي الببتيدات؟

الببتيدات هي سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية، وهي اللبنات الأساسية التي يتكوّن منها البروتين. يمكن اعتبارها شكلًا أصغر وأكثر تخصصًا من البروتينات، إذ لا يقتصر دورها على البناء أو التغذية فقط، بل تؤدي وظائف تنظيمية دقيقة داخل الجسم.
الفرق الأساسي بين البروتين والببتيد هو الطول وطريقة العمل؛ فالبروتينات تكون طويلة وتُستخدم غالبًا لبناء الأنسجة أو تزويد الجسم بالأحماض الأمينية، بينما الببتيدات أقصر، وتعمل كجزيئات نشطة تؤثر مباشرة في وظائف حيوية مثل تنظيم الهرمونات، الالتهاب، المناعة، وإصلاح الأنسجة.
أظهرت الدراسات أن العديد من الفوائد الصحية للبروتينات لا تظهر إلا بعد تحللها إلى ببتيدات فعّالة. هذه الببتيدات تكون موجودة أصلًا داخل البروتين في صورة غير نشطة، ثم تتحرر أثناء الهضم، أو عند معالجة الطعام، أو من خلال التخمر الميكروبي، لتبدأ بعدها بالتأثير في الجسم بشكل مباشر.
الفوائد الصحية المدروسة للببتيدات
تُظهر الدراسات أن الببتيدات الحيوية تمتلك تأثيرات صحية تتجاوز دورها الغذائي، ومن أهم فوائدها:
- دعم ضغط الدم عبر تثبيط إنزيم ACE، خاصة ببتيدات الموجودة في الحليب واللحوم والأسماك.
- تحسين صحة الأمعاء من خلال تقوية الحاجز المعوي وتقليل نمو البكتيريا الضارة، حتى دون امتصاصها الكامل، إذ يمكن أن تعمل موضعيًا داخل الأمعاء.
- تقليل الالتهاب والإجهاد التأكسدي، لا سيما ببتيدات الأسماك.
- خصائص مضادة للميكروبات وُجدت في ببتيدات مصل اللبن والأسماك.
تعمل الببتيدات عبر الارتباط بمستقبلات على سطح الخلايا، ما يؤدي إلى:
- تنظيم بعض الهرمونات مثل هرمون النمو
- تحسين إنتاج الطاقة داخل الخلايا
- دعم إصلاح الأنسجة وتقليل الالتهاب المرتبط بالتقدم في العمر
أنواع مكملات الببتيدات الشائعة وتأثيراتها الصحية

BPC-157: ببتيد الإصلاح والدعم الهضمي
يُعد BPC-157 من أكثر الببتيدات التي حظيت بالاهتمام في مجال إصلاح الأنسجة. وهو مشتق من بروتين موجود طبيعيًا في عصارة المعدة، بينما الصيغة المستخدمة علاجيًا هي نسخة مصنّعة أكثر ثباتًا.
فوائده:
تشير الدراسات قبل السريرية إلى أن BPC-157 قد يدعم:
- تحفيز عوامل النمو المرتبطة بإصلاح الأنسجة
- تعزيز تكوّن الأوعية الدموية الجديدة
- تنظيم الالتهاب
- دعم مسارات أكسيد النيتريك المرتبطة بتروية الأنسجة
- دعم سلامة الغشاء المخاطي للجهاز الهضمي
الاستخدامات المحتملة
- إصابات العضلات والأوتار والأربطة
- بطء التعافي بعد الإصابات أو العمليات
- تقرحات المعدة والتهابات الأمعاء
- دعم محور الأمعاء–الدماغ
طرق الاستخدام
- الحقن تحت الجلد أو داخل العضلة: لدعم إصلاح الأنسجة خارج الجهاز الهضمي.
- الاستخدام الفموي: مفيد بشكل خاص لدعم شفاء الجهاز الهضمي، نظرًا لثباته العالي في الوسط الحمضي.
الجرعات الشائعة
- 250 ميكروغرام صباحًا و250 ميكروغرام مساءً
- نمط متقطع: يوم استخدام ويوم راحة
- دورة: 6 أسابيع استخدام، تليها 4–5 أسابيع راحة
موانع استعمال BPC-157:
يُتجنّب أثناء الحمل والرضاعة، لدى الأطفال، في حال الأورام النشطة أو تاريخ حديث للسرطان، ومع اضطرابات النزف أو مميعات الدم، وكذلك عند وجود أمراض مناعية نشطة أو استخدام أدوية مزمنة دون إشراف طبي.
بيبتيد الغلوتامين: دعم الأمعاء والدماغ والعضلات

يزداد احتياج الجسم للغلوتامين في حالات الإجهاد، المرض، والإصابات. يُعد الوقود الأساسي لخلايا الأمعاء، وله دور مهم في دعم الجهاز العصبي والعضلي.
فوائده:
يساعد الجلوتامين على:
- دعم سلامة بطانة الأمعاء وتقليل النفاذية المعوية (يساعد في علاج ارتشاح الأمعاء)
- تحسين أعراض القولون العصبي والإسهال
- دعم صحة الدماغ وتنظيم الناقلات العصبية المرتبطة بالقلق والاكتئاب
- تقليل الهدم العضلي وتسريع التعافي بعد التمارين أو الإصابات
- دعم المناعة خلال فترات الإجهاد
الجرعات الشائعة
- 5–10 غرام يوميًا
- يمكن تقسيم الجرعة على مرتين
موانع الاستعمال
يُستخدم بحذر لدى مرضى الكلى أو الكبد المتقدمة.
بيبتيد الغلوتاثيون: ملك مضادات الأكسدة وداعم إزالة السموم
الجلوتاثيون هو ببتيد ثلاثي يُنتَج داخل الخلايا ويُعد من أهم مضادات الأكسدة في الجسم، إذ يلعب دورًا محوريًا في حماية الخلايا ودعم عمليات إزالة السموم.
فوائده المحتملة
يساهم الجلوتاثيون في:
- تقليل الإجهاد التأكسدي وحماية الخلايا
- دعم صحة الكبد والتخلص من السموم
- تعزيز المناعة
- تحسين مظهر الجلد وتقليل التصبغات
- تسريع التعافي بعد المجهود البدني
- دعم الصحة العامة مع التقدم في العمر
الجرعات الشائعة
- 250–500 ملغ يوميًا
- حتى 1000 ملغ لدعم صحة الجلد
موانع الاستعمال
يُستخدم بحذر لدى مرضى الربو، ويُستشار الطبيب قبل استخدامه أثناء الحمل أو مع بعض الأدوية.
Colostrum: دعم المناعة وصحة الأمعاء

الكولوستروم هو أول سائل غذائي يُنتَج بعد الولادة عند الثدييات، ويكون غنيًا بالأجسام المضادة، عوامل النمو، والبروتينات النشطة. يُستخدم الكولوستروم البقري كمكمل غذائي لدعم المناعة وصحة الجهاز الهضمي.
فوائده المحتملة
يساعد الكولوستروم على:
- تعزيز المناعة وتقليل تكرار التهابات الجهاز التنفسي
- دعم صحة الأمعاء وتقوية الحاجز المعوي (تقليل تسرّب الأمعاء)
- تحسين توازن البكتيريا النافعة في الأمعاء
- تقليل الالتهاب والإجهاد التأكسدي
- دعم التعافي بعد التمارين الشديدة
- تزويد الجسم بعوامل نمو تدعم إصلاح الأنسجة
يرجع جزء كبير من هذه الفوائد إلى احتوائه على اللاكتوفيرين، والأجسام المناعية (IgG)، وببتيدات منظِّمة للمناعة.
الجرعات الشائعة
- 500–1000 ملغ، مرة إلى ثلاث مرات يوميًا
- يُفضّل اختيار منتجات معالجة بحرارة منخفضة للحفاظ على الفعالية
موانع الاستعمال
غير مناسب لمن لديهم حساسية من بروتين الحليب، ويُستخدم بحذر عند عدم تحمّل اللاكتوز الشديد، ويُفضّل تجنّبه أثناء الحمل والرضاعة أو عند وجود سرطانات حساسة للهرمونات دون إشراف طبي.
ما البديل الأفضل للكولوستروم في حال التحسس من منتجات الألبان؟
في حال التحسس من بروتين الحليب أو عدم تحمّل الكولوستروم، يُعد اللاكتوفيرين خيارًا مناسبًا وأكثر تحمّلًا، إذ يدعم المناعة وصحة الأمعاء ويحدّ من نمو الميكروبات وينظّم الالتهاب، مع كونه خالٍ تقريبًا من اللاكتوز ولا يحتوي على عوامل نمو هرمونية، ويمكن استخدامه لفترات طويلة بجرعات تتراوح بين 50–250 ملغ يوميًا.
الكولاجين بيبتيد: دعم المفاصل والجلد والأمعاء والبشرة

الكولاجين ببتيد هو شكل متحلّل من بروتين الكولاجين، سهل الامتصاص، يزوّد الجسم بالأحماض الأمينية اللازمة لدعم صحة المفاصل، الجلد، والأوتار، ويساهم في تعزيز مرونة الأنسجة ودعم عمليات الإصلاح، ويُستخدم عادة بجرعات تتراوح بين 5–10 غرام يوميًا، اذا كنت ترغب في المزيد من التفاصيل عن كيفية اختيار أفضل أنواع الكولاجين اقرأ المقال التالي عن فوائد الكولاجين وأنواعه.
بدائل غذائية طبيعية ومصادر بروتينية تدعم مسارات الببتيدات
- البيض
- الحليب ومصل اللبن
- اللحوم
- الأسماك والمصادر البحرية (السردين والسلمون)
- البقوليات (عدس، حمص، فاصولياء)
- الشوفان
- بذور الكتان والقنب
- مرق العظام
- السبانخ والبقدونس
- الملفوف الأحمر
- السبيرولينا
- الخضروات الغنية بالكبريت (البروكلي، القرنبيط)
- كبد البقر ذو الجودة العالية
الأعشاب الداعمة للتجدد والتشافي الطبيعي:

هذه الأعشاب لا تحتوي على ببتيدات، لكنها تدعم عمليات الإصلاح والالتئام:
- الدردار وجذور المارشميلو لدعم الغشاء المخاطي
- الآذريون لدعم التئام الأنسجة
- عرق السوس لتنظيم الالتهاب
- الكركم والزنجبيل لتقليل الالتهاب العام
تنبيه: تُجنّب هذه الأعشاب عند استخدام مميعات الدم أو الكورتيزون أو مضادات الالتهاب غير الستيرويدية.
الخلاصة
تلعب الببتيدات دورًا أساسيًا في تنظيم التواصل الخلوي، إصلاح الأنسجة، وتقليل الالتهاب. وعلى الرغم من أهميتها في الطب التجديدي، يمكن دعم العديد من مساراتها الطبيعية من خلال التغذية السليمة، العناصر الغذائية الداعمة، الأعشاب المناسبة، ونمط حياة متوازن. هذا النهج المتكامل يساعد الجسم على استعادة قدرته الطبيعية على التجدد بشكل آمن ومستدام.
اذا كنت ترغب في المزيد من التفاصيل حول الاستراتيجيات العلمية التي تجعلك تبدو 20 سنة أصغر من عمرك تابع الحلقة أدناه على قناة الدكتورة فجر لجميري على اليوتيوب:

