في السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن الخلايا الجذعية (Stem Cells) أكثر انتشارًا بسبب دورها الكبير في إصلاح الأنسجة، دعم التئام الجروح، وتجديد الأوعية الدموية. ومع التقدم في العمر، تبدأ قدرة الجسم على إنتاج هذه الخلايا وتجديدها بالتراجع تدريجيًا، مما يفسّر بطء التعافي، ضعف الدورة الدموية، وتزايد الالتهابات المزمنة.
الخبر الجيد أن هناك استراتيجيات غذائية ونمط حياة مدعومة بالأبحاث يمكن أن تساعد في تحفيز الخلايا الجذعية الطبيعية داخل الجسم، وتحسين البيئة التي تعمل فيها، من خلال تقليل الالتهاب، دعم الميتوكوندريا، وتحسين مقاومة الأكسدة.
ما هي الخلايا الجذعية؟ ولماذا نحتاجها؟

الخلايا الجذعية هي خلايا “مرنة” تمتلك ميزتين أساسيتين:
- التجدد الذاتي (Self-renewal)
- القدرة على التحول إلى خلايا متخصصة حسب حاجة الجسم، مثل: خلايا القلب، العضلات، العظام، الغضاريف، الجلد والكبد.
وظيفتها الأساسية هي الحفاظ على توازن الجسم وإصلاح الأنسجة التالفة. لكن مع التقدم بالعمر، يقل عددها وتضعف كفاءتها، مما يجعل الجسم أقل قدرة على التجدد والشفاء.
أنواع الخلايا الجذعية في الجسم
للتبسيط، يمكن تقسيم الخلايا الجذعية إلى الأنواع التالية:
1) الخلايا الجذعية الجنينية (Embryonic Stem Cells)
وهي الأكثر قدرة على التحول إلى أي نوع من الخلايا، لكنها تُستخدم غالبًا في الأبحاث وليس ضمن الاستخدامات الشائعة.
2) الخلايا الجذعية البالغة (Adult Stem Cells)
توجد في الجسم بعد الولادة، وتشارك في إصلاح وتجدد الأنسجة مثل:
- نخاع العظم
- العضلات
- الجلد
- الكبد
- الدماغ
3) الخلايا الجذعية الميزنكيمية (MSCs)
وهي من أهم الخلايا التي يعتمد عليها الطب التجديدي لأنها:
- تقلل الالتهاب وتعدّل المناعة
- تحفّز ترميم الأنسجة
- تدعم العظام والغضاريف
- تعمل عبر إفراز عوامل ترميم وإشارات تجدد (Paracrine signaling)
4) الخلايا الجذعية المكوّنة للدم (Hematopoietic Stem Cells)
مسؤولة عن إنتاج خلايا الدم (الحمراء، البيضاء، والصفائح).
5) الخلايا السلفية للأوعية (Endothelial Progenitor Cells – EPCs)
تساعد في:
- إصلاح الأوعية الدموية
- تعزيز تكوين شعيرات دموية جديدة
وهي مهمة جدًا لمن يعانون من ضعف الدورة الدموية أو أمراض القلب.
كيف تؤثر التغذية على نشاط الخلايا الجذعية؟

الأبحاث الحديثة تشير إلى أن مكونات الغذاء مثل:
- الفيتامينات والمعادن
- المركبات النباتية النشطة (Phytochemicals)
تؤثر على الخلايا الجذعية من خلال:
- تقليل الإجهاد التأكسدي
- دعم الميتوكوندريا وإنتاج الطاقة
- تعديل الالتهاب
- تقليل شيخوخة الخلايا
المهم: سواء النقص أو الإفراط في هذه المركبات قد يضعف أداء الخلايا الجذعية، لذلك الاعتدال والتوازن أساس.
أفضل الأغذية التي تحفّز الخلايا الجذعية وتجدد الأوعية
1) الرمان والتوت الأزرق

غنية بالفلافونويدات ومضادات الأكسدة التي تقلل الالتهاب وتحمي الخلايا الجذعية من التلف التأكسدي، كما تدعم صحة الأوعية الدموية والكبد.
2) الخضار الصليبية (بروكلي، قرنبيط، ملفوف)
غنية بالسلفورافان الذي يفعّل إنزيمات الكبد للتخلص من السموم، ويقلل الالتهاب الذي يضعف الخلايا الجذعية مع الوقت.
3) الفطر (خصوصًا الشيتاكي والمايتاكي) + الشوفان والشعير

يتميز الفطر بوجود بيتا غلوكان، وهي ألياف ذائبة تدعم المناعة والأمعاء وتساهم في تعزيز التجدد الخلوي.
ساق الفطر تحتوي بيتا غلوكان أعلى من قبعة الفطر وقد تصل إلى الضعف.
كما أن الشوفان والشعير غنيان بالبيتا غلوكان أيضًا، وتوجد دراسات تربطهما بتحسين التجدد الخلوي.
4) زيت الزيتون البكر
يحتوي على مضادات أكسدة قوية، تساعد على حماية الخلايا من التلف الناتج عن السموم والتعرض البيئي، وتدعم سلامة الأوعية.
5) الكاكاو الخام والشوكولا الداكنة (80% أو أكثر)

غنية بمركبات نباتية قوية مثل أنتوثاينين anthocyanins ويعتبر هذا المركب من أقوى مضادات الأكسدة الموجودة على كوكب الأرض. وتشير دراسات إلى أن تناول الكاكاو بانتظام قد يزيد الخلايا الجذعية المتداولة في الدم ويُحسّن مرونة الأوعية الدموية.
6) الثوم (الأليسين)
الأليسين قد يدعم تحول الخلايا الجذعية إلى خلايا عظمية، مما يجعله داعمًا لصحة العظام والترميم بعد الإصابات.
7) العنب الأحمر وقشوره (ريسفيراترول)
الريسفيراترول يدعم نمو الخلايا الجذعية ويحسّن تمايزها نحو خلايا العظام، ويُعرف بدوره في مقاومة الالتهاب والشيخوخة الخلوية.
8) الأسماك الدهنية
الأسماك الدهنية غنية بالأوميغا 3 ، ليست فقط مضادة للالتهاب، بل قد تدعم تجدد:
- الغضاريف
- الجلد
- الدماغ
وتساعد في خلق بيئة أقل التهابية تسمح للخلايا الجذعية بالعمل بكفاءة.
من أغنى الأسماك بالأوميغا 3: الماكريل، السالمون والسردين.
الأعشاب والمركبات الطبيعية الداعمة للخلايا الجذعية

- الزنجبيل: يقلل الالتهاب ويحد من تفاعل الجسم المبالغ فيه مع محفزات الالتهاب
- الكركم (الكركمين): مضاد قوي للالتهاب، يدعم إشارات التجدد الخلوي
- الجينسنغ (Panax ginseng وPanax notoginseng): يدعم النمو العصبي والتعافي ويُستخدم في الطب الصيني لدعم الخلايا العصبية.
- الشاي الأخضر: غني بـ EGCG، يدعم حماية وانتاج الخلايا الجذعية ويعزز صحة الكبد والدماغ
- الفطر العلاجي (ريشي، كورديسيبس): دعم مناعي ومضاد للأكسدة، يساعد في تحسين قدرة الخلايا على مقاومة الإجهاد.
المكملات الغذائية التي قد تدعم صحة الخلايا الجذعية
- أوميغا 3 عالية الجودة: لدعم تجدد الأنسجة وتقليل الالتهاب المزمن
- فيتامين D3 : فيتامين D يساعد على الحفاظ على مخزون الخلايا الجذعية ويمنع استنزافها، خصوصًا تلك المرتبطة بالعضلات والمناعة والدماغ.
- CoQ10: يدعم الميتوكوندريا ويقلل مؤشرات الشيخوخة الخلوية
- ريسفيراترول مع NMN: يدعم نمو الخلايا الجذعية ويُحسّن تمايزها خصوصًا للعظام
- ميلاتونين (بحسب الحاجة): يدعم النوم ويحمي الخلايا من التلف التأكسدي
أهم العادات التي تحفّز الخلايا الجذعية طبيعيًا
1) الرياضة المنتظمة
النشاط البدني يزيد الخلايا الجذعية المتداولة في الدم، خصوصًا خلايا الأوعية (EPCs)، مما يدعم:
- تكوين أوعية وشعيرات جديدة
- تحسين وصول الدم للأعضاء
- دعم ترميم القلب والأنسجة
أما التمارين عالية الشدة قصيرة المدة (HIIT) فقد تزيد عامل BDNF في الدماغ والذي يرتبط بتجدد الخلايا العصبية.
2) الصيام المتقطع وتقييد السعرات (حسب الحالة)

الصيام المسائي ما بين 16 الى 18 ساعة يساعد في تنشيط الالتهام الذاتي (Autophagy)، وهو نظام تنظيف وتجديد خلوي يُحسن قدرة الجسم على الإصلاح ويخلق بيئة داعمة للترميم.
ملاحظة : يمكن ممارسة الصيام ثلاث مرات اسبوعيا، والابتعاد عن الصيام الطويل للحامل والمرضع، والنساء اللواتي يعانون من مشاكل في الهرمونات أو من يعاني من نقص غذائي.
3) النوم العميق
قلة النوم تُضعف حركة الخلايا الجذعية وانتقالها لأماكن الإصلاح. لذلك النوم الجيد يُعد شرطًا أساسيًا لاستعادة القدرة على التجدد، خاصة فترات النوم ما بين ال9 مساء وال1.
4) خفض التوتر والكورتيزول
ارتفاع الكورتيزول المزمن يُضعف بيئة الإصلاح ويستنزف الطاقة الخلوية. تقليل التوتر يحمي وظيفة الخلايا ويحسن قدرتها على التجدد.
5) تجنب السموم والمواد الكيميائية
التعرض المستمر للسموم البيئية، بعض الأدوية، والتدخين والكحول قد يضعف الخلايا الجذعية ويؤثر على الأنسجة الحساسة كالأوتار والغضاريف والأوعية.
6) التعرض للماء البارد
التعرض للبرد يحفز خلايا الدهون البنية (Brown fat stem cells) المرتبطة بتحسين الأيض وزيادة المرونة الخلوية.
الخلاصة
الخلايا الجذعية ليست حكرًا على العلاج الطبي المتقدم. يمكن دعمها طبيعيًا عبر غذاء غني بالمركبات النباتية، تقليل الالتهاب والسموم، تحسين النوم، ممارسة الرياضة، والصيام الذكي. هذه الاستراتيجيات لا ترفع فقط قدرة الجسم على الإصلاح، بل تحافظ على كفاءة الخلايا الجذعية مع التقدم في العمر وتدعم صحة الأوعية والتعافي بشكل أعمق وتخفف من نسب الاصابة بالأمراض المزمنة وجلطات القلب.
إذا كنت ترغب في المزيد من التفاصيل حول أحدث الاكتشافات العلمية المتعلقة بالخلايا الجذعية وطول العمر، شاهد هذه الحلقة الكاملة على قناة الدكتورة فجر الجميري على اليوتيوب:

