أفضل أنواع الخبز الذي يساعدك على التشافي من مشاكل الجهاز الهضمي: خبز الساوردو

sourdough bread

هل تلاحظ أن كثيرًا من أنواع الخبز المتوفرة اليوم تُسبب انتفاخًا، ثِقلًا، وتهيّجًا في الجهاز الهضمي؟

وربما تعتقد أن المشكلة في “القمح” نفسه أو في الغلوتين، بينما الحقيقة أن المشكلة غالبًا تكمن في طريقة صناعة الخبز الحديثة: تخمير سريع، خميرة صناعية، ومعالجة مفرطة للطحين.

هنا يأتي خبز الساوردو… الخبز الذي اعتمده القدماء منذ مئات السنين، وكان جزءًا طبيعيًا من غذائهم اليومي دون أن يسبب لهم تلك الأعراض التي نراها اليوم.

الساوردو ليس مجرد “ترند”، بل هو أحد أقدم وأذكى طرق صناعة الخبز، وطريقة تخمير طويلة تعيد للخبز قيمته الغذائية وتجعله ألطف على الأمعاء.

 

تاريخ خبز الساوردو والخميرة الطبيعية:

ancient history bread sourdough bread egypt

قصة الساوردو تعود إلى مصر القديمة، حيث يُعتبر من أقدم أنواع الخبز المخمّر في التاريخ.

وتشير الروايات إلى أن اكتشافه كان “صدفة”، حين تُركت عجينة خبز لفترة طويلة، فتسللت إليها الخمائر البرية الموجودة في الهواء، فتخمّرت وارتفعت تلقائيًا.

لاحظ المصريون القدماء أن هذا الخبز:

  • أصبح أخف في القوام
  • ألذ في الطعم
  • أكثر قدرة على البقاء دون أن يفسد بسرعة

ومنذ ذلك الحين، تطورت فكرة “الخميرة الطبيعية” أو Starter، وهي قلب خبز الساوردو وروحه.

واليوم أصبح الساوردو يُقدَّم في المقاهي الراقية والمتاجر الحرفية، لكنه في الأصل خبز بسيط، جذوره عريقة، وفكرته قائمة على التخمير البطيء الذكي.

 

ما هو خبز الساوردو؟

خبز الساوردو هو نوع من الخبز الريفي التقليدي، يُحضّر باستخدام خميرة طبيعية حيّة تُسمّى “البادئة” (Starter)، بدلًا من الخميرة التجارية السريعة. هذه الخميرة الطبيعية تتكوّن من خليط بسيط من الطحين والماء يُترك لعدة أيام حتى تنمو فيه بشكل طبيعي الخمائر البرّية والبكتيريا النافعة، خصوصًا بكتيريا حمض اللاكتيك (Lactobacillus).

وخلال عملية التخمير الطويلة التي قد تمتد لأكثر من 12 ساعة، تقوم هذه الكائنات الدقيقة بتفكيك جزء كبير من السكريات والنشويات داخل الطحين، كما تساعد على تكسير بعض مكونات الغلوتين، وتنتج مركبات نافعة مثل الأحماض العضوية والأحماض الدهنية قصيرة السلسلة التي تدعم توازن بيئة الأمعاء.

لهذا السبب، يُعد خبز الساوردو غالبًا ألطف على الجهاز الهضمي، وأقل تأثيرًا على سكر الدم مقارنة بالخبز التقليدي، كما يتميز بطعم مميز وقوام هوائي طبيعي دون الحاجة إلى إضافات صناعية.

 

أهم فوائد خبز الساوردو ولماذا هو الأفضل للهضم؟

sourdough bread benefits gut and nutrients

1) أقل تأثيرًا على سكر الدم (Low GI)

الخبز التجاري غالبًا يرفع سكر الدم بسرعة، مما يسبب:

ارتفاعًا مفاجئًا في الطاقة، ثم هبوطًا سريعًا (Crash)

أما الساوردو، فبسبب التخمير الطويل:

يتم تفكيك جزء كبير من النشويات والسكريات، وتستهلكها الخمائر والبكتيريا أثناء التخمر، لذلك يكون مؤشره الجلايسيمي أقل ويمنح طاقة أكثر ثباتًا.

 

2) أكثر تحمّلًا لمن لديهم حساسية من الغلوتين

خلال التخمر الطويل (أكثر من 12 ساعة)، تقوم البكتيريا النافعة بتفكيك جزء كبير من بروتينات الغلوتين، ما يجعله:

  • ألطف على الجهاز الهضمي
  • وأكثر تحمّلًا لدى من لديهم حساسية خفيفة

ملاحظة مهمة:

الساوردو ليس خاليًا تمامًا من الغلوتين إذا كان مصنوعًا من القمح أو الشعير أو الجاودار، لكنه يصبح أكثر قابلية للهضم من الخبز العادي.

 

3) غني بمركبات تنتجها البكتيريا بعد الخبز (Postbiotics) الداعمة للأمعاء

رغم أن البكتيريا النافعة لا تبقى حيّة بعد الخَبز، إلا أنها تترك وراءها مركبات قوية تسمى Postbiotics، ومن أهمها:

  1. الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة (SCFA) مثل “البيوتيرات”، وهي مركبات تدعم بطانة الأمعاء وتساعد في ترميمها وتعزيز قوتها.
  2. الأحماض العضوية (Organic acids)، تجعل البيئة داخل الجهاز الهضمي أكثر حمضية، مما:
  • يحد من تكاثر البكتيريا الضارة
  • يدعم توازن الميكروبيوم
  • إنزيمات هاضمة طبيعية
  • تساعد على تفكيك الطعام وتحسين الهضم وتقليل الانتفاخ.

 

4) تقليل حمض الفيتيك وتحسين امتصاص المعادن

من فوائد التخمير أنه يقلل “حمض الفيتيك” الموجود طبيعيًا في الحبوب، وهو مركب يعيق امتصاص معادن مثل:

  • الحديد
  • الزنك
  • المغنيسيوم

لذلك الساوردو يجعل هذه المعادن أسهل امتصاصًا مقارنة بالخبز غير المخمّر جيدًا.

 

5) يظل طازجًا لأيام دون مواد حافظة

الطعم الحامض المميز للساوردو سببه حمض اللاكتيك الذي تنتجه بكتيريا Lactobacillus، وهذا الحمض يمنح الخبز:

  • نكهة خاصة
  • قدرة أكبر على مقاومة العفن لأن معظم الميكروبات لا تستطيع العيش في بيئة حمضية.

 

6) واحد من أقل أنواع الخبز معالجة 

الساوردو الأصلي يُعد من أكثر أنواع الخبز طبيعية، ويمكن تمييزه من خلال:

  • قائمة مكونات قصيرة جدًا
  • تاريخ صلاحية قصير
  • غياب المواد الحافظة والنكهات الصناعية

 

أفضل أنواع الطحين لنجاح خبز الساوردو ولماذا تؤثر جودة الطحين على النتيجة؟

نجاح خبز الساوردو لا يعتمد فقط على طريقة التخمير، بل يبدأ من اختيار نوع الطحين. فالطحين هو المصدر الأساسي لتغذية الخميرة الطبيعية وبناء بنية الرغيف. ويؤثر محتوى الطحين من البروتين والنخالة بشكل مباشر على قوام الخبز، وارتفاعه، وسهولة هضمه.

  • البروتين مسؤول عن تكوين شبكة الغلوتين التي تمنح العجينة القدرة على حفظ الهواء والغازات الناتجة عن التخمير، وبالتالي يساعد على ارتفاع الرغيف وتكوين قوام هوائي.
  • النخالة والألياف تساهم في تغذية الخميرة وتسريع التخمر، لكنها قد تُضعف شبكة الغلوتين وتؤثر على ارتفاع الخبز إذا زادت كميتها.

1) طحين القمح الكامل (Whole Wheat Flour)

يُعد طحين القمح الكامل خيارًا مثاليًا عند بدء تحضير الخميرة الطبيعية، لأنه غني بالمعادن والمغذيات ويحتوي على ميكروبات طبيعية تدعم نشاط التخمير. إلا أن احتواءه على نسبة عالية من النخالة قد يسبب:

  • إضعاف شبكة الغلوتين وتقليل قدرة العجينة على التماسك
  • انخفاض ارتفاع الرغيف مقارنة بالطحين الأبيض
  • زيادة امتصاص الماء مما يجعل العجينة أكثر كثافة

2) طحين الجاودار (Rye Flour)

يُستخدم طحين الجاودار بشكل شائع لتغذية الخميرة الطبيعية بسبب غناه بالإنزيمات المحفزة للتخمير مثل الأميلاز، إضافة إلى ارتفاع قيمته الغذائية. ويتميز بأنه يسرّع التخمير ويقوي نشاط الخميرة، لكنه قد ينتج عجينة أكثر لزوجة وكثافة بسبب ضعف الغلوتين فيه، كما أنه يزيد من الحموضة الطبيعية للخبز نتيجة تعزيز إنتاج حمض الأسيتيك. ويمكن استخدامه بنسبة متوازنة مع القمح، خصوصًا في تغذية البادئة أو في الخبز النهائي.

3) طحين الخبز عالي البروتين (Bread Flour)

يُعتبر طحين الخبز عالي البروتين الخيار الأفضل لصناعة رغيف الساوردو النهائي، لأنه يمنح العجينة بنية قوية وقدرة أعلى على احتجاز الغازات، مما ينتج خبزًا مرتفعًا بقوام هوائي متماسك. لذلك يُنصح به خصوصًا عند رغبة الشخص في الحصول على رغيف خفيف ومرتفع.

كيف تختار الطحين الأفضل؟

لتحقيق أفضل النتائج في الساوردو، يُفضّل اتباع التسلسل التالي:

  • بداية الخميرة الطبيعية: طحين قمح كامل أو طحين غير مبيّض
  • مرحلة التغذية: خليط من الطحين الأبيض غير مبيّض مع القمح الكامل أو الجاودار
  • مرحلة الخبز النهائي: طحين خبز عالي البروتين لضمان أفضل ارتفاع وقوام

طريقة عمل خبز الساوردو من الألف إلى الياء بخطوات سهلة (مع أهم النصائح لضمان نجاحه):

Sourdough starter recipe fermented food

أولًا: تحضير الخميرة الطبيعية (Starter)

الخميرة الطبيعية هي الأساس في خبز الساوردو، وتحتاج إلى بيئة مناسبة لتتشكل بشكل صحيح. وأفضل درجة حرارة لنجاح التخمير تتراوح بين 21 و28 درجة مئوية.

في اليوم الأول يتم خلط 60 غرامًا من الماء الفاتر مع 60 غرامًا من طحين القمح الكامل أو طحين أبيض غير مبيّض، ثم تُترك العجينة في وعاء زجاجي. خلال أول 48 ساعة لا تُضاف أي تغذية جديدة، ومن الطبيعي أن تظهر رائحة غير مستحبة مؤقتة.

في اليوم الثالث قد يظهر على سطح الخليط ماء رمادي، وهي علامة أن العجينة تحتاج إلى تغذية. عندها يتم التخلص من نصف كمية العجين، ثم تغذية النصف المتبقي بإضافة 60 غرامًا من الماء و60 غرامًا من الطحين (يفضل خليط من الأبيض والقمح الكامل). تُكرر هذه العملية يوميًا حتى اليوم السابع، حيث يُفترض أن تصبح الخميرة قادرة على الارتفاع والتضاعف خلال ساعات قليلة. ويُعد استمرار العملية لمدة سبعة أيام على الأقل شرطًا مهمًا للوصول إلى خميرة مستقرة وفعالة.

ملاحظة: بعد اليوم السابع يمكن حفظ الخميرة في الثلاجة بشرط تغذيتها مرة واحدة كل أسبوعين، وبذلك يمكن الحفاظ عليها لفترات طويلة جدًا.

 

ثانيًا: خطوات عملية سهلة لإعداد خبز الساوردو!

  1. تبدأ الوصفة بتنشيط الخميرة إذا كانت محفوظة في الثلاجة عبر خلط نصف كوب من الخميرة الطبيعية مع نصف كوب طحين ونصف كوب ماء، ثم تركها لمدة ثلاث إلى أربع ساعات حتى تصبح نشطة.
  2. بعد ذلك تُحضّر العجينة الأساسية بخلط 400 مل من الماء الدافئ مع 100 غرام من الخميرة النشطة، ويمكن إضافة العسل إن رغبتِ. ثم يُضاف 530 غرام من الطحين ويُخلط الخليط حتى يختفي الطحين فقط دون عجن طويل، ثم تُترك العجينة للراحة لمدة ثلاثين دقيقة.
  3. بعد الراحة يُضاف القليل من الملح مع قليل من الماء ويتم تطبيق تقنية المد والطي (Stretch & Fold) أربع مرات، بحيث تفصل بين كل مرة وأخرى ثلاثون دقيقة. هذه المرحلة أساسية لبناء قوام العجين وتعزيز تماسكه دون عجن تقليدي.
  4. تليها مرحلة التخمير الأول، وهي مرحلة حساسة جدًا. تُترك العجينة لمدة ساعتين فقط أو حتى يتضاعف حجمها، مع ضرورة الانتباه إلى أن الحرارة المرتفعة تسرّع التخمير وتزيد خطر التخمير الزائد. ويمكن التأكد من أن العجينة لم تتخمّر أكثر من اللازم عبر ملاحظة نزولها بسهولة عند قلبها من الوعاء؛ إذ إن التصاقها الشديد دليل على تخمير زائد.
  5. بعد ذلك تُشكّل العجينة وتوضع في قالب تخمير (يحتوي على طحين الأرز لمنع الالتصاق)،  ثم تُترك في الثلاجة لمدة 12 ساعة أو أكثر للتخمير البارد الطويل، وهو ما يمنح الساوردو طعمه المميز ويجعله ألطف على الجهاز الهضمي.
  6. أما الخبز النهائي فيُفضّل أن يتم في طنجرة من الحديد الزهر (Cast Iron) تُسخّن مسبقًا في الفرن وهي مغطاة لمدة 40 إلى 45 دقيقة. ثم يُخبز الرغيف داخلها وهي مغطاة، وفي آخر خمس دقائق يُزال الغطاء لتحمير الوجه.

 

أهم النصائح لضمان نجاح خبز الساوردو:

sourdough bread recipe

  • نجاح الساوردو يعتمد بشكل كبير على التحكم بدرجة الحرارة وعدم التسرع في المراحل الأساسية. فالساوردو يحتاج وقتًا كافيًا حتى يُنتج خبزًا سهل الهضم وغنيًا بالمركبات الناتجة عن التخمر. 
  • كما أن العلامة الأهم على جاهزية الخميرة الطبيعية هي قدرتها على التضاعف خلال ساعات قليلة بعد التغذية أو طوافها على سطح الماء.
  • من المهم أيضًا حفظ خبز الساوردو بدرجة حرارة الغرفة، وتجنب وضعه في الثلاجة لأن ذلك يسرّع جفافه. 
  • ويمكن التعرف على الساوردو الحقيقي من خلال قصر قائمة المكونات وقصر مدة الصلاحية، لأن الساوردو التقليدي لا يحتاج إلى مواد حافظة أو محسّنات صناعية.

 

الخاتمة

خبز الساوردو ليس مجرد خيار صحي بديل عن الخبز التجاري، بل هو نموذج غذائي يعيدنا إلى أساسيات التغذية التقليدية التي احترمت طبيعة الجسم والجهاز الهضمي. فعملية التخمير الطويلة لا تُحسّن طعم الخبز فقط، بل تغيّر تركيبته الحيوية بشكل يجعل هضمه أسهل ويقلل من تأثيره على سكر الدم، ويعزز استفادة الجسم من العناصر الغذائية داخله.

وعندما يتم تحضيره بالطريقة الصحيحة، مع اختيار طحين مناسب وخميرة طبيعية نشطة، يصبح الساوردو من أكثر أنواع الخبز توازنًا، خاصة لمن يعانون من الانتفاخ، حساسية الغلوتين الخفيفة، القولون العصبي، أو اضطرابات الهضم المتكررة. لذلك، إن كنت تبحث عن خبز يرضي ذوقك ويحترم أمعاءك في الوقت نفسه، فإن الساوردو خيار يستحق التجربة، ليس كموضة مؤقتة، بل كعادة غذائية ثابتة تعزز صحة الجسم على المدى الطويل.

إذا كنت ترغب في معرفة المزيد من التفاصيل حول كيفية بناء صحة الأمعاء خلال 7 أيام، شاهد الحلقة الكاملة أدناه على قناة الدكتورة فجر الجميري على يوتيوب: