يعاني ملايين الأشخاص من متلازمة القولون العصبي (IBS)، وغالبًا ما يُقال لهم إن الحالة “مزمنة” أو مرتبطة فقط بالتوتر والقلق. لكن الأبحاث الحديثة في الطب الوظيفي وصحة الأمعاء تشير إلى حقيقة مختلفة:
القولون العصبي ليس مرضًا بحد ذاته، بل وصفًا لأعراض ناتجة عن خلل أعمق في الجهاز الهضمي.
الخطوة الأولى للتشافي الحقيقي لا تبدأ بكبح الأعراض، بل بالبحث عن السبب الجذري لتهيج الأمعاء وعدم انتظامها.
ما الذي يختبئ خلف تشخيص القولون العصبي؟
في السابق، كان يُعتقد أن القولون العصبي عبارة عن اضطراب نفسي-عصبي بالدرجة الأولى، ولذلك استُخدمت مضادات الاكتئاب كجزء من العلاج.
لكن اليوم، نعلم أن الميكروبيوم المعوي وحركة الأمعاء ووظائف الجهاز العصبي الذاتي تلعب دورًا محوريًا.
من أبرز الأسباب الخفية المرتبطة بالقولون العصبي:
- فرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة (SIBO)
- فرط نمو الفطريات (SIFO)
- ضعف حركة الأمعاء (Motility disorders)
- نقص حمض المعدة
- نقص إنزيمات البنكرياس
- خلل المرارة
- قصور الغدة الدرقية
- نقص فيتامين B1 (الفيتامين ب1) : والذي قد يكون هو السبب الرئيسي وراء كل الأسباب السابقة!

لماذا لا ينجح العلاج أحيانًا رغم تغيير الغذاء والمكملات؟
كثير من المرضى:
- يلتزمون بحمية صارمة
- يتناولون مضادات بكتيرية أو أعشاب
- يستخدمون البروبيوتيك والإنزيمات
لكن الأعراض تعود من جديد، السبب في كثير من الحالات هو عدم معالجة الخلل الوظيفي الحركي لعضلات الجهاز الهضمي، وقد بينت الدراسات الحديثة سبباً خفياً رئيسياً وهو: نقص فيتامين B1
الفيتامين B1: الحلقة المفقودة لصحة الأمعاء
الفيتامين ب1 ليس مجرد فيتامين للطاقة، بل عنصر أساسي في:
- إنتاج الطاقة الخلوية
- حماية الجهاز العصبي
- تنظيم حركة الجهاز الهضمي
- إفراز حمض المعدة
- دعم العصب الحائر (Vagus nerve)

تشير الأبحاث إلى أن نقص الفيتامين ب1 قد يكون سببًا مباشرًا أو غير مباشر في:
- القولون العصبي
- الإمساك المزمن
- الارتجاع المعدي
- SIBO وSIFO
- تسرّب الأمعاء
يُعدّ الثيامين (فيتامين B1) عنصرًا أساسيًا في الأيض وصحة الجهاز العصبي، وتشير دراسات سريرية إلى أن تعويض فيتامين B1 قد يساهم في تقليل الالتهاب المعوي وتحسين أعراض الإرهاق واضطرابات الهضم!
أسباب نقص الثيامين (فيتامين B1)
- سوء التغذية: قلة تناول الأطعمة الغنية بالثيامين مثل الحبوب الكاملة، البقوليات، المكسرات والبذور.
- اضطرابات الجهاز الهضمي: حالات مثل القولون العصبي وسوء الامتصاص تقلل من امتصاص الثيامين وترفع خطر نقصه.
- استهلاك الكحول: الاستهلاك المزمن للكحول يعيق امتصاص الثيامين ويضعف استخدامه داخل الجسم.
- زيادة الاحتياجات الأيضية: في حالات مثل الحمل أو فرط نشاط الغدة الدرقية، تزداد حاجة الجسم إلى الثيامين، ما قد يؤدي إلى نقصه إذا لم تُغطَّ هذه الحاجة غذائيًا.
كيف يؤثر نقص الفيتامين B1 على الجهاز الهضمي؟
1. ضعف حركة الأمعاء (Motility)
يُعد الجهاز الهضمي من أكثر الأجهزة تأثرًا بنقص فيتامين B1. ففي حالات النقص الشديد، قد تظهر حالة تُعرف بـالبري بري الهضمي (Gastrointestinal Beriberi)، وهي حالة غالبًا ما تُشَخَّص خطأً على أنها فرط نمو بكتيري في الأمعاء الدقيقة (SIBO) أو قولون عصبي مع إمساك (IBS-C).
يرتبط ذلك بدور الفيتامين ب1 الحيوي في دعم الجهاز العصبي الذاتي، فنقص هذا الفيتامين، من ناحية، يؤثر على نحو خاص على مراكز الدماغ المسؤولة عن تنظيم الجهاز العصبي الذاتي، مما يؤدي إلى خلل في الإشارات العصبية الخارجة منها. هذا الخلل ينعكس سلبًا على وظائف الجهاز الهضمي.
من الناحية الثانية، يعتمد الجهاز العصبي المعوي على النواقل العصبية لتحفيز التقلصات المعوية الطبيعية. ويُعد الثيامين عنصرًا أساسيًا في تصنيع هذا الناقل العصبي، لذلك فإن نقصه يؤدي إلى:
- انخفاض نشاط العصب الحائر
- ضعف التقلصات المعوية
- بطء حركة المعدة والأمعاء
- ركود الطعام، ما يهيّئ بيئة مناسبة لتكاثر البكتيريا الضارة
2. نقص حمض المعدة (Hypochlorhydria)

تشير الدراسات إلى أن نقص الفيتامين ب1:
- يثبط إفراز حمض الهيدروكلوريك في المعدة
- يؤدي إلى سوء هضم البروتين
- يزيد الانتفاخ والتجشؤ والارتجاع
- يقلل قدرة المعدة على قتل البكتيريا القادمة مع الطعام
وهذا يفسّر لماذا يُصاب بعض مرضى “الحرقة” بمشاكل أكبر عند استخدام مثبطات الحمض لفترات طويلة.
3. ضعف إنزيمات الهضم والامتصاص
نقص الفيتامين ب1 يؤثر في :
- إفراز إنزيمات البنكرياس: فيصبح هضم الطعام غير كامل، وقد يظهر بقايا غير مهضومة في البراز
- نشاط إنزيمات الحافة الفرشاتية (الداخلية) في الأمعاء المسؤولة عن تكسير الأغذية قبل امتصاصها: حيث أظهرت الدراسات أن فعاليتها قد تنخفض بنسبة تتراوح بين 42% و66%، مما يسبب سوء هضم وسوء امتصاص حتى مع تناول غذاء جيد.
- امتصاص فيتامينات أخرى (B2، B6، B1 النشط)
وهنا تبدأ حلقة سوء التغذية الناتج عن سوء الامتصاص، حتى مع تناول غذاء جيد.
أعراض أخرى لنقص الفيتامين B1:
- تعب مزمن غير مبرر
- ضبابية ذهنية
- اكتئاب وقلق
- تنميل أو ضعف بالأطراف
- انتفاخ وغازات
- إمساك أو إسهال متكرر
- ارتجاع معدي
- حساسية شديدة للأطعمة
مصادر غذائية غنية بفيتامين B1:

للحفاظ على مستويات صحية من الفيتامين ب1، يُنصح بتناول:
- خميرة البيرة
- الشوفان وجنين القمح وعشبة الشعير
- الأرز البني
- العدس المطبوخ، الفاصوليا السوداء، البازلاء، والترمس
- بذور دوار الشمس وبذور الكتان
- المكسرات (خصوصًا الماكاديميا وجوز البيكان)
- كبدة العجل ولحم البقر
- التونة والسلمون والمحار
- الهليون، السبانخ، كرنب بروكسل
- البرتقال، الشمام، التمر
هل المكملات ضرورية؟
في الحالات المتقدمة، قد لا يكون الغذاء وحده كافيًا، خاصة عند وجود:

- سوء امتصاص
- تاريخ طويل من اضطرابات الهضم
- اعتماد سابق على مثبطات الحمض أو الملينات
تشير الأبحاث إلى أن بعض أنواع الفيتامين ب1 (مثل TTFD) قد تكون أكثر فاعلية في:
- تحسين حركة الأمعاء
- دعم الجهاز العصبي المعوي
- علاج الإمساك الوظيفي وضعف المعدة
مكمل الTTFD، لا يزيد حركة الأمعاء على نحو عشوائي، بل يعمل فقط عندما تكون حركة الجهاز الهضمي مضطربة أو ضعيفة، أي أنه يعيد التوازن للحركة بدل تحفيزها بشكل مبالغ فيه.
الخلاصة
القولون العصبي ليس حكمًا نهائيًا، بل إشارة إنذار لخلل أعمق في الجهاز الهضمي والعصبي.
نقص فيتامين B1 هو عامل مُهم ومهمل في كثير من الحالات، وقد يكون المفتاح لفهم فشل العلاجات التقليدية.
إذا كنت ترغب في معرفة المزيد عن العلاجات الطبيعية لفرط نمو البكتيريا الضار في الأمعاء الدقيقة (SIBO)، يمكنك مشاهدة الحلقة الكاملة أدناه على قناة الدكتور فجر الجميري على اليوتيوب:

