تُعد غزارة الدورة الشهرية شائعة، خاصة لدى النساء في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر، ولكن لا ينبغي اعتبارها تلقائيًا «جزءًا طبيعيًا من التقدم في العمر».
مع اقتراب المرأة من مرحلة ما قبل انقطاع الطمث، تصبح الأنماط الهرمونية أقل انتظامًا. غالبًا ما يبدأ البروجسترون بالانخفاض أولًا، بينما قد تتقلب مستويات الإستروجين بشكل ملحوظ. ويمكن أن يؤثر ذلك في الإباضة، وسماكة بطانة الرحم، وكمية النزيف أثناء الدورة الشهرية.
وفي الوقت نفسه، يصبح من المهم استبعاد بعض الحالات، مثل الأورام الليفية الرحمية، والعضال الغدي الرحمي، واضطرابات الغدة الدرقية، ومقاومة الإنسولين، واضطرابات تخثر الدم.
فالهدف ليس مجرد «إيقاف النزيف»، بل فهم السبب وراء حدوثه.
ما الذي يُعتبر دورة شهرية غزيرة؟

يُعرف نزيف الدورة الشهرية الغزير طبيًا باسم غزارة الطمث (Menorrhagia).
تستمر الدورة الشهرية الطبيعية عادةً من ٣ إلى ٧ أيام، ويبلغ متوسط فقدان الدم نحو ٣٥–٤٠ مل تقريبًا.
وقد تشمل علامات غزارة الدورة الشهرية:
- استمرار النزيف لأكثر من ٧ أيام.
- فقدان أكثر من نحو ٨٠ مل من الدم خلال الدورة الواحدة.
- امتلاء الفوطة الصحية أو السدادة القطنية بالكامل كل ساعة لعدة ساعات متتالية.
- الحاجة إلى استخدام وسيلتين للحماية في الوقت نفسه.
- الاستيقاظ ليلًا لتغيير الفوط أو السدادات القطنية.
- خروج كتل دموية كبيرة.
- تجنب الأنشطة اليومية بسبب شدة النزيف.
- الشعور المستمر بعدم الراحة أو الألم أسفل البطن.
- التعب أو الدوخة أو ضيق التنفس نتيجة نقص الحديد.
إذا كان النزيف الغزير جديدًا، أو يزداد سوءًا، أو يؤثر في الحياة اليومية، فمن المهم إجراء تقييم طبي مناسب.
لماذا تصبح الدورة الشهرية أكثر غزارة مع التقدم في العمر؟
أحد الأسباب الشائعة هو التغير الهرموني خلال مرحلة ما قبل انقطاع الطمث.
خلال الدورة التي تحدث فيها إباضة طبيعية، يساعد الإستروجين على بناء بطانة الرحم، بينما يساعد البروجسترون بعد الإباضة على تنظيم نمو هذه البطانة.
ومع الاقتراب من انقطاع الطمث، قد تصبح الإباضة أقل انتظامًا. وعندما لا تحدث الإباضة، ينخفض إنتاج البروجسترون.
وهذا قد يجعل تأثير الإستروجين أقوى نسبيًا مقارنة بالبروجسترون، مما يسمح لبطانة الرحم بأن تصبح أكثر سماكة. وعندما تنسلخ هذه البطانة، قد يكون النزيف أكثر غزارة أو أطول مدة أو أقل انتظامًا.
لذلك قد تلاحظ المرأة خلال مرحلة ما قبل انقطاع الطمث:
- دورات أقصر.
- فترات أطول بين الدورات.
- غياب بعض الدورات.
- زيادة الكتل الدموية.
- أعراضًا أقوى لمتلازمة ما قبل الدورة الشهرية.
اختلال الهرمونات وهيمنة الإستروجين

أحد العوامل التي قد تسهم في غزارة النزيف هو ما يُعرف بـ هيمنة الإستروجين، أي أن تأثير الإستروجين يكون مرتفعًا نسبيًا مقارنة بالبروجسترون.
وهذا لا يعني بالضرورة أن مستوى الإستروجين نفسه مرتفع بشكل غير طبيعي.
ففي بعض الحالات، تكون المشكلة الأساسية هي انخفاض البروجسترون بسبب عدم حدوث الإباضة بصورة طبيعية.
ومن العوامل التي قد تسهم في ذلك:
- مرحلة ما قبل انقطاع الطمث.
- متلازمة تكيس المبايض.
- مقاومة الإنسولين.
- اضطرابات الغدة الدرقية.
- التوتر المزمن.
- الدورات التي لا تحدث فيها إباضة.
- السمنة.
- ضعف استقلاب الإستروجين.
عندما يحفز الإستروجين بطانة الرحم دون وجود كمية كافية من البروجسترون لموازنة تأثيره، قد تصبح بطانة الرحم أكثر سماكة، مما يزيد احتمال حدوث نزيف غزير.
لماذا قد يزيد التوتر من غزارة الدورة؟
يؤثر التوتر في الجهاز التناسلي من خلال الكورتيزول ومحور الدماغ–المبيض.
وقد يؤثر التوتر النفسي الشديد، أو الإجهاد الجسدي، أو عدم تناول كمية كافية من الطعام، أو الإفراط في ممارسة الرياضة، أو ضعف التعافي في حدوث الإباضة.
وعندما لا تحدث الإباضة، يبقى مستوى البروجسترون منخفضًا، مما قد يؤدي إلى دورات غير منتظمة وأحيانًا شديدة الغزارة.
لهذا لا يمكن فصل صحة الدورة الشهرية عن النوم والتغذية والتوتر وتوازن الطاقة.
فحوصات الهرمونات في حالات غزارة الدورة
قد يشمل التقييم الشامل فحوصات:
- FSH.
- LH.
- الإستراديول.
- البروجسترون.
- التستوستيرون.
- البرولاكتين.
- مؤشرات وظائف الغدة الدرقية.
- سكر الدم الصائم.
- الإنسولين.
- HbA1c.
عادةً ما تكون فحوصات الدم إحدى الخطوات الأولى في التقييم.
ولكن نظرًا إلى تغير مستويات الإستروجين والبروجسترون خلال مراحل الدورة الشهرية، فقد لا يعطي فحص واحد صورة كاملة عن الحالة الهرمونية.
وفي بعض الحالات، قد يكون تكرار الفحوصات أو إجراؤها في توقيت محدد من الدورة أكثر فائدة.
نقص الحديد: أحد أهم آثار غزارة الدورة الشهرية

يُعد النزيف الغزير أثناء الدورة من الأسباب الشائعة لنقص الحديد لدى النساء في سن الحيض.
وقد تشمل أعراض نقص الحديد:
- التعب.
- الضعف.
- الدوخة.
- الصداع.
- شحوب البشرة.
- تساقط الشعر.
- ضعف القدرة على ممارسة الرياضة.
- ضيق التنفس.
ومع مرور الوقت، قد يؤثر نقص الحديد غير المعالج بشكل كبير في جودة الحياة.
دعم مستويات الحديد
تشمل المصادر الحيوانية الغنية بالحديد:
- الكبد.
- اللحوم الحمراء.
- الدجاج.
- الديك الرومي.
- الأسماك.
- المأكولات البحرية الصدفية.
- البيض.
المصادر النباتية للحديد:
- العدس.
- السمسم.
- التمر.
- الفاصوليا الحمراء.
- بذور اليقطين.
- دبس السكر الأسود.
- السبانخ.
- الكينوا.
- الحنطة السوداء.
- القطيفة.
يساعد فيتامين C على تحسين امتصاص الحديد، لذلك يمكن تناول الأطعمة الغنية بالحديد مع الحمضيات أو التوت أو الفلفل الحلو أو أي مصدر آخر لفيتامين C.
في المقابل، قد تقلل كميات كبيرة من الشاي والقهوة والكالسيوم والفيتات والأوكسالات حول وقت الوجبة من امتصاص الحديد.
ويُفضّل أن يعتمد استخدام مكملات الحديد على نتائج فحوصات الدم.
ويُعد حديد بيسغليسينات (Ferrous Bisglycinate) أحد الأشكال المستخدمة، وقد يكون أسهل تحمّلًا لدى بعض الأشخاص مقارنة ببعض أشكال الحديد الأخرى.
التغذية لدعم التوازن الهرموني وتقليل غزارة الدورة
يُفضّل أن يركز النظام الغذائي الداعم للهرمونات على استقرار سكر الدم، ودعم الإباضة، وتقليل الالتهاب، ودعم استقلاب الإستروجين.
ركّزي على الألياف
استهدفي نحو ٢٥–٣٠ غ من الألياف يوميًا، بحسب قدرة الجهاز الهضمي على تحمّلها، من مصادر مثل الخضروات والمكسرات والبذور.
كما تدعم الألياف انتظام حركة الأمعاء، مما يساعد الجسم على التخلص من الهرمونات التي تم استقلابها.
تناولي الخضروات الصليبية

مثل:
- البروكلي.
- القرنبيط.
- الملفوف.
- الكيل.
تحتوي هذه الخضروات على مركبات تدخل في عمليات استقلاب الإستروجين، ولذلك يمكن أن تكون جزءًا مفيدًا من النظام الغذائي الداعم لتوازن الهرمونات.
أضيفي مصادر أوميغا ٣
تشمل الأطعمة الغنية بأوميغا ٣:
- السلمون.
- السردين.
- الماكريل.
- بذور الشيا.
- بذور الكتان.
- الجوز.
تدعم هذه الدهون المسارات المضادة للالتهاب والصحة الهرمونية بشكل عام.
الدهون الصحية مهمة
احرصي على تناول:
- زيت الزيتون.
- الأفوكادو.
- المكسرات.
- البذور.
- بذور اليقطين.
- زيت السمسم.
- الأسماك الدهنية.
وفي المقابل، قللي بشكل كبير من الدهون المتحولة الموجودة في:
- المعجنات التجارية.
- الأطعمة المقلية.
- السمن النباتي المهدرج.
- المخبوزات المعبأة والمصنّعة.
- بعض الأطعمة المجمدة المصنّعة.
تناولي كمية كافية من السعرات الحرارية
قد يؤدي النقص المزمن في تناول الطعام إلى التأثير سلبًا في الإباضة.
وهذا مهم لأن ضعف الإباضة يعني انخفاض إنتاج البروجسترون، مما قد يزيد اضطراب الدورة أو غزارة النزيف.
فالهدف ليس فقط «تناول طعام صحي»، بل تناول كمية كافية لدعم الوظائف الهرمونية.
أضيفي الأطعمة الغنية بفيتامينات B
من المصادر النباتية:
- الأرز البني.
- الأفوكادو.
- الخميرة الغذائية.
- الموز.
- السبانخ.
- الخضروات الورقية.
- المكسرات.
- البقوليات.
- البازلاء.
قللي الكربوهيدرات المكررة
قللي أو تجنبي:
- الطحين الأبيض.
- المخبوزات التجارية.
- حبوب الإفطار الغنية بالسكر.
- الكيك.
- البسكويت.
- المعجنات.
- الحلويات.
- المعكرونة المكررة.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة عندما تكون مقاومة الإنسولين أو متلازمة تكيس المبايض من العوامل المساهمة في اختلال الهرمونات.
الشاي الأخضر
يحتوي الشاي الأخضر على مركبات البوليفينول، ومنها EGCG، الذي تمت دراسته بشكل خاص فيما يتعلق بالأورام الليفية الرحمية.
وفي بعض الدراسات المتعلقة بالأورام الليفية، ارتبط EGCG بانخفاض حجم الأورام الليفية على مدى عدة أشهر.
ومن الجرعات المستخدمة في بعض الأبحاث نحو ٣٠٠ ملغ يوميًا، إلا أن مستخلصات الشاي الأخضر المركزة ينبغي استخدامها بحذر، لأن الجرعات المرتفعة قد تؤثر في الكبد لدى بعض الأشخاص.
فيتامين D
يُعد نقص فيتامين D شائعًا، وقد يكون ذا أهمية خاصة لدى النساء المصابات بالأورام الليفية.
وتشير بعض الدراسات إلى أن تصحيح نقص فيتامين D قد يساعد على إبطاء نمو الأورام الليفية.
وقد تُستخدم جرعة أساسية تبلغ نحو ١٠٠٠ وحدة دولية يوميًا في بعض الحالات، لكن الجرعة الأنسب تعتمد على مستوى فيتامين D في الدم.
أما الجرعات الأعلى فينبغي تحديدها بناءً على الفحوصات.
DIM
ثنائي إندوليل ميثان (DIM) هو مركب مرتبط بالمغذيات الموجودة في الخضروات الصليبية.
ويُستخدم عادةً لدعم استقلاب الإستروجين.
وقد تتراوح الجرعات التكميلية المستخدمة في الممارسة بين نحو ١٠٠–٢٠٠ ملغ يوميًا، بحسب الحالة الفردية.
الدعم العشبي لتخفيف غزارة الدورة الشهرية
يستخدم الطب العشبي تقليديًا مجموعة من الأعشاب التي تُعرف بالأعشاب القابضة أو المساعدة على الحد من النزيف المفرط.
وينبغي استخدامها بحذر، خاصةً إذا كان النزيف شديدًا أو كانت المرأة تتناول أدوية مميعة للدم.
الزنجبيل

تمت دراسة الزنجبيل في حالات غزارة الدورة الشهرية.
أشارت دراسة نُشرت عام ٢٠١٥ إلى انخفاض فقدان الدم أثناء الدورة على مدى ثلاث دورات، كما بحثت دراسة لاحقة استخدام الزنجبيل إلى جانب الإيبوبروفين.
ومن الطرق التي تمت دراستها تناول نحو ٣٠٠ ملغ ثلاث مرات يوميًا لمدة ٧ أيام خلال فترة الحيض.
اللبان (Boswellia)
يحتوي اللبان على أحماض البوزويليك، وهو معروف بشكل أساسي بخصائصه المضادة للالتهاب.
وأظهرت إحدى الدراسات التي قيّمت استخدام اللبان إلى جانب الإيبوبروفين تحسنًا في مدة النزيف وجودة الحياة.
لذلك قد يكون مفيدًا بشكل خاص عندما تترافق غزارة الدورة مع التهاب أو ألم واضح.
القرفة
تُستخدم القرفة تقليديًا كعشبة قابضة للمساعدة في الحد من النزيف، وقد تساهم أيضًا في دعم الدورة الدموية وتنظيم سكر الدم وتخفيف الانزعاج المصاحب للدورة الشهرية.
كف مريم
تُستخدم عشبة كف مريم (Vitex agnus-castus) عادةً لدعم التوازن الهرموني المرتبط بالبروجسترون وتنظيم الدورة الشهرية.
وقد تُستخدم بعض المستخلصات بجرعات تتراوح بين ٢٠٠–٤٠٠ ملغ يوميًا، لكن تركيز المستحضرات يختلف بشكل كبير، ولذلك تعتمد الجرعة على نوع المستخلص وتركيزه.
كما أنها ليست مناسبة لجميع الحالات الهرمونية، لذلك ينبغي تحديد استخدامها بحسب الحالة الفردية.
شاي القراص
يُستخدم القراص تقليديًا كعشبة قابضة، وقد يساعد على الحد من النزيف المفرط، مما يجعله خيارًا داعمًا خلال فترات غزارة الدورة الشهرية.
كما يحتوي على الحديد ومعادن أخرى، ولذلك يمكن أن يكون إضافة غذائية مفيدة عندما يساهم النزيف الشهري الغزير في انخفاض مستويات الحديد.
ويمكن استخدام شاي القراص خلال أيام الدورة كخيار بسيط للدعم الغذائي والعشبي.
تقليل التعرض للمواد المسببة لاضطراب الغدد الصماء
يمكن لبعض المواد الكيميائية المسببة لاضطراب الغدد الصماء أن تتداخل مع الإشارات الهرمونية.
وقد توجد في:
- بعض أنواع البلاستيك.
- العطور.
- بعض مستحضرات التجميل.
- المبيدات.
- بعض المنتجات المنزلية.
- الديوكسينات والملوثات البيئية.
ولا تعني هذه العلاقة أن تلك المواد تسبب غزارة الدورة مباشرةً، لكن التعرض المزمن لبعضها قد يكون ذا صلة بالحالات الحساسة للإستروجين، مثل الأورام الليفية وبطانة الرحم المهاجرة.
لذلك يُعد تقليل التعرض غير الضروري لها استراتيجية معقولة لدعم الصحة الهرمونية على المدى الطويل.
الرياضة والصحة الهرمونية
قد تساعد تمارين المقاومة والتمارين الهوائية المنتظمة على تحسين:
- حساسية الإنسولين.
- تنظيم سكر الدم.
- تركيب الجسم.
- استقلاب الإستروجين.
- التوازن الهرموني المرتبط بالبروجسترون.
- تنظيم التستوستيرون.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة لدى النساء المصابات بمتلازمة تكيس المبايض أو مقاومة الإنسولين.
لكن الإفراط في التدريب دون الحصول على تغذية وتعافٍ كافيين قد يؤدي إلى نتيجة عكسية ويؤثر في الإباضة.
لذلك يبقى التوازن هو الأساس.
الخلاصة
غزارة الدورة الشهرية شائعة، لكنها ليست شيئًا ينبغي على المرأة تحمّله ببساطة.
مع الانتقال خلال الثلاثينيات والأربعينيات من العمر، يمكن أن تؤثر التغيرات في الإباضة والبروجسترون والإستروجين وحساسية الإنسولين ووظائف الغدة الدرقية وصحة الرحم جميعها في كمية النزيف أثناء الدورة.
والهدف ليس فقط جعل الدورة الشهرية أخف، بل البحث عن الأسباب الكامنة ودعم الصحة الهرمونية والأيضية وصحة الرحم للوصول إلى دورة شهرية أكثر توازنًا.
اذا أردت المزيد من التفاصيل حول العلاجات الطبيعية لبطانة الرحم المهاجرة وخربطة الهرمونات يمكنك مشاهدة حلقة الدكتورة فجر الجميري كاملة على اليوتيوب:

