لعقود طويلة، اعتقدنا أن الجهاز الهضمي مسؤول فقط عن هضم الطعام الذي نتناوله. لكن العلم الحديث كشف أن تريليونات الكائنات الدقيقة التي تعيش في أمعائنا ترسل باستمرار إشارات كيميائية قوية إلى مختلف أنحاء الجسم.
ومن أهم هذه الإشارات جزيء صغير يُسمّى البيوتيرات (Butyrate). فمن ترميم بطانة الأمعاء المتضررة، إلى إرسال إشارات للدماغ قد تدعم النوم العميق والذاكرة، يلعب البيوتيرات دورًا مهمًا في الحفاظ على صحتنا.
في هذا الدليل، سنتعرّف إلى البيوتيرات، وكيف يعمل داخل الجسم، والطرق العملية لزيادة مستوياته طبيعيًا، إضافة إلى أهم الاحتياطات التي يجب أخذها بعين الاعتبار.

ما هو البيوتيرات؟
البيوتيرات هو أحد الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة (SCFAs) التي يتم إنتاجها داخل الأمعاء الغليظة.
يعتمد إنتاجه بشكل أساسي على البكتيريا النافعة اللاهوائية التي تعيش في القولون، مثل Faecalibacterium prausnitzii وRoseburia. فعندما نتناول الألياف الغذائية والنشويات التي لا يتم هضمها بالكامل، تقوم هذه البكتيريا بتخميرها وإنتاج البيوتيرات كأحد النواتج الطبيعية لهذه العملية.
وبمجرد إنتاجه، يبدأ البيوتيرات بأداء ثلاث وظائف أساسية:
– تغذية خلايا القولون: فهو أحد أهم مصادر الطاقة للخلايا التي تبطّن القولون.
– تنظيم الالتهاب: يعمل كإشارة تساعد على تنظيم نشاط بعض المسارات والجينات المرتبطة بالالتهاب.
– التواصل مع أعضاء الجسم: يرتبط بمستقبلات موجودة على الخلايا المناعية والعصبية وخلايا الغدد الصماء، ما يسمح له بالتأثير في وظائف متعددة داخل الجسم.
ما الذي قد يقلّل مستويات البيوتيرات؟
قد ينخفض إنتاج البيوتيرات أو تقل البكتيريا المنتجة له في بعض الحالات، ومنها:
– عدم تناول كمية كافية من الأطعمة الغنية بالألياف والنشويات القابلة للتخمّر.
– اتباع نظام غذائي منخفض جدًا بالكربوهيدرات أو غني بالبروتين والدهون على حساب الألياف، ما يقلّل المواد التي تستخدمها البكتيريا لإنتاج البيوتيرات.
– استخدام بعض الأدوية، مثل المضادات الحيوية، التي قد تؤثر في تركيبة الميكروبيوم.
– وجود اضطراب في ميكروبيوم الأمعاء مرتبط ببعض الحالات المزمنة، مثل السكري من النوع الثاني.
1. دور البيوتيرات في ترميم بطانة الأمعاء ودعم حالات التهاب الأمعاء
تعمل بطانة الأمعاء كحاجز واقٍ يسمح بامتصاص العناصر الغذائية، بينما يحدّ من عبور المواد غير المرغوب فيها والميكروبات ومكوناتها إلى داخل الجسم.
وعندما تتضرر سلامة هذا الحاجز وتزداد نفاذيته، يُشار إلى ذلك أحيانًا باسم “تسرّب الأمعاء” أو زيادة نفاذية الأمعاء.
تقوية الحاجز المعوي
تعتمد خلايا القولون بدرجة كبيرة على البيوتيرات كمصدر للطاقة، وقد يوفر لها نسبة كبيرة من احتياجاتها من الوقود.
وعندما يتوفر البيوتيرات بشكل كافٍ، فإنه قد يساعد على:
– دعم الروابط المحكمة بين خلايا بطانة الأمعاء.
– تعزيز إنتاج الطبقة المخاطية الواقية.
– دعم سلامة الحاجز المعوي وتنظيم نفاذيته.

تهدئة الالتهاب في أمراض الأمعاء الالتهابية IBD
في أمراض مثل داء كرون والتهاب القولون التقرّحي، يؤدي الالتهاب المزمن إلى إلحاق الضرر بالجهاز الهضمي.
يساعد البيوتيرات على تنظيم الالتهاب من خلال التأثير في مسارات مثل NF-κB، كما يمكن أن يدعم نشاط الخلايا التائية التنظيمية Regulatory T cells التي تلعب دورًا مهمًا في ضبط الاستجابة المناعية.
وقد دُرست مكملات البيوتيرات والأنظمة الغذائية التي تدعم إنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة لدورها المحتمل في دعم صحة الأمعاء وتقليل بعض مؤشرات الالتهاب لدى بعض مرضى IBD.
2. البيوتيرات: داعم للنوم العميق وصحة الدماغ
رغم أن البيوتيرات يُنتج بشكل رئيسي داخل الأمعاء، فإن تأثيراته قد تمتد إلى الجهاز العصبي والدماغ.
محور الأمعاء–الكبد–النوم
تشير أبحاث حديثة إلى أن البيوتيرات قد يعمل كإشارة تساعد على تعزيز النوم.
فعندما يصل البيوتيرات إلى الوريد البابي الذي ينقل الدم من الجهاز الهضمي باتجاه الكبد، قد تستشعره نهايات عصبية حسية في هذه المنطقة.
وفي الدراسات التجريبية، أدى تنشيط هذا المسار إلى:
– زيادة سريعة في نوم Non-REM، وهو أحد المراحل المهمة للنوم العميق والاستشفاء الجسدي.
– انخفاض درجة حرارة الجسم الأساسية، وهي إحدى الإشارات الفسيولوجية المرتبطة بالاستعداد للنوم.
ومن المثير للاهتمام أن إعطاء البيوتيرات عبر الدورة الدموية العامة لم يُظهر التأثير نفسه في بعض النماذج التجريبية، ما يشير إلى احتمال وجود مسار حسي محدد مرتبط بمنطقة الكبد والوريد البابي.

صحة الدماغ والذاكرة
قد يدعم البيوتيرات الجهاز العصبي أيضًا من خلال التأثير في عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ (BDNF)، وهو بروتين مهم لمرونة الدماغ والتعلّم والذاكرة.
كما تشير الأبحاث إلى دوره المحتمل في:
– دعم سلامة الحاجز الدموي الدماغي.
– تنظيم نشاط الخلايا المناعية في الدماغ.
– الحد من بعض مسارات الالتهاب العصبي التي تتم دراستها في سياق اضطرابات المزاج والتدهور المعرفي.
3. صحة الأيض والسيبو والقولون العصبي
لا تقتصر أهمية البيوتيرات على بطانة الأمعاء والدماغ، بل تتم دراسة دوره أيضًا في صحة الأيض واضطرابات الجهاز الهضمي الوظيفية.
تنظيم سكر الدم
قد يساعد البيوتيرات على تحسين حساسية الإنسولين والتأثير في عملية استقلاب الغلوكوز، ما يجعله محل اهتمام في الأبحاث المتعلقة بصحة الأيض وتنظيم سكر الدم.
الشهية وإدارة الوزن
يمكن للبيوتيرات أن يؤثر في الهرمونات المرتبطة بالشبع والشهية، بما فيها GLP-1، وبالتالي قد يساهم في تنظيم تناول الطعام والشعور بالشبع.

البيوتيرات والسيبو SIBO
في حالة فرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة (SIBO)، تتم دراسة البيوتيرات ومشتقاته لدورها المحتمل في دعم البيئة المعوية وتخفيف بعض الأعراض الهضمية مثل الانتفاخ والغازات وآلام البطن.
ولا ينبغي اعتبار البيوتيرات بمفرده علاجًا مثبتًا لجميع حالات السيبو، إذ يعتمد العلاج على نوع الحالة وسببها وخطة العلاج المناسبة لها.
البيوتيرات والقولون العصبي IBS
قد يساعد البيوتيرات على دعم وظيفة الأمعاء وتنظيم حركتها، ولذلك تتم دراسة استخدامه لدى المصابين بمتلازمة القولون العصبي، بما في ذلك بعض حالات القولون المصحوب بالإسهال IBS-D أو الإمساك IBS-C.
هل للبيوتيرات آثار جانبية أو احتياطات؟
رغم الفوائد المحتملة العديدة للبيوتيرات، لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد الجرعات المثالية وسلامة الاستخدام طويل الأمد، خصوصًا عند استخدام المكملات.
ومن أهم الحالات التي تستدعي الانتباه:
الحمل والرضاعة:
لا تتوفر بيانات كافية حول سلامة مكملات البيوتيرات خلال الحمل والرضاعة، لذلك ينبغي استشارة الطبيب قبل استخدامها.
الأمعاء شديدة الحساسية والانتفاخ:
زيادة الألياف القابلة للتخمّر قد تزيد الغازات والانتفاخ لدى بعض الأشخاص، لذلك قد يكون من الأفضل زيادة الألياف تدريجيًا حسب قدرة الجهاز الهضمي على تحمّلها، ويفضل في هذه الحالة تجنب مكملات البيوتيرات لحين تهدئة حساسية الأمعاء المفرطة.
السمنة واضطرابات الأيض:
العلاقة بين مستويات الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة والسمنة معقدة، لذلك يفضل تجنب مكملات البيوتيرات لمن يعاني سمنة مفرطة.
التهاب الأمعاء النشط أو التقرحات الشديدة:
تأثير البيوتيرات يعتمد على حالة النسيج المعوي ومرحلة المرض، ولذلك يجب استخدام المكملات بحذر وتحت إشراف طبي في حالات الالتهاب النشط والشديد.
أمراض القلب والكلى:
بعض المكملات تأتي على شكل بيوتيرات الصوديوم (Sodium Butyrate)، وبالتالي تضيف كمية من الصوديوم إلى النظام الغذائي، وهو أمر يجب الانتباه إليه لدى الأشخاص الذين يحتاجون إلى تقييد الصوديوم بسبب حالات قلبية أو كلوية.
كيف ترفعين مستويات البيوتيرات بطريقة طبيعية؟
يمكن دعم إنتاج البيوتيرات من خلال الغذاء والنشاط البدني، وفي بعض الحالات من خلال المكملات.

1. تناولي المزيد من الأطعمة التي تغذّي البكتيريا المنتجة للبيوتيرات
بدلًا من التركيز فقط على تناول البيوتيرات نفسه، يمكنك تغذية البكتيريا النافعة بالمواد التي تستخدمها لإنتاجه.
النشويات المقاومة:
– البطاطا المطبوخة ثم المبردة.
– الأرز المطبوخ ثم المبرد.
– الموز الأخضر أو غير الناضج تمامًا.
الألياف القابلة للتخمّر:
– الشوفان ونخالة الشوفان.
– الشعير.
– الكينوا.
– التفاح.
– التوت.
البقوليات والبذور والمكسرات:
– العدس.
– الحمص.
– بذور الشيا.
– بذور الكتان.
– الجوز.
الدهون الصحية:
يمكن لأحماض أوميغا-3 الموجودة في الأسماك مثل السلمون والسردين أن تدعم بيئة ميكروبية صحية. كما تحتوي الزبدة طبيعيًا على كميات صغيرة من حمض البيوتيريك.
2. مارسي التمارين الهوائية بانتظام
يمكن للنشاط البدني أن يؤثر إيجابيًا في تركيبة ميكروبيوم الأمعاء.
وقد ارتبطت ممارسة التمارين الهوائية متوسطة إلى مرتفعة الشدة لمدة 30–60 دقيقة، من 3 إلى 4 مرات أسبوعيًا، بتغيرات في البكتيريا المنتجة للأحماض الدهنية قصيرة السلسلة.
3. المكملات الذكية
في بعض الحالات، يمكن استخدام مكملات البيوتيرات كدعم إضافي وتحت الإشراف المناسب.
لدعم صحة الأمعاء:
تتوفر أشكال مثل Microencapsulated Sodium Butyrate، حيث يساعد التغليف على إيصال كمية أكبر من البيوتيرات إلى أجزاء أبعد من الجهاز الهضمي.
لدعم صحة الدماغ والأعصاب:
يتوفر أيضًا Tributyrin، وهو مركب يمكن للجسم تحويله إلى بيوتيرات ويتمتع بخصائص امتصاص مختلفة عن بيوترات الصوديوم.
الجرعة المعتادة:
تتراوح الجرعات المعتادة بين 500 و1,000 ملغ يوميًا، بينما تُستخدم جرعات علاجية أعلى تتراوح بين 1,500 و2,000 ملغ تحت إشراف طبي.
الخلاصة
يكشف لنا البيوتيرات مدى الترابط بين الأمعاء وبقية أعضاء الجسم.
فهذا الجزيء الذي تنتجه البكتيريا النافعة في القولون لا يعمل داخل الأمعاء فقط، بل يساهم في تغذية خلاياها ودعم حاجزها وتنظيم الالتهاب، كما تتم دراسة تأثيراته المحتملة في الأيض والدماغ والنوم والذاكرة.
ومن خلال تناول المزيد من الألياف والنشويات القابلة للتخمّر، وممارسة النشاط البدني بانتظام، واستخدام المكملات بشكل مدروس عند الحاجة، يمكن دعم إنتاج البيوتيرات والاستفادة من دوره في صحة الجسم.
إذا كنتِ بحاجة إلى المزيد من التفاصيل حول كيفية ترميم تسرّب الأمعاء ودعم صحة بطانة الجهاز الهضمي، يمكنكِ مشاهدة الحلقة الكاملة أدناه على قناة الدكتورة فجر الجميري على يوتيوب:
